السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

268

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

قَدْ كُذِبُوا » قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ، أي ظنت أممهم كذبهم فيما أخبروهم به من نصر اللّه إياهم عليهم وإهلاكهم . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد ، أي أن الرسل أيسوا من إيمانهم وأيقنوا أن أممهم كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم واستبطئوا النصر عليهم . والقراءتان على البناء للمفعول تدبر هذا ، واعلم أن من رجع الظن إلى الأنبياء وأراد به ترجيح أحد الجانبين لا ما يخطر بالبال ويهمس بالقلب في شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه الطبيعة البشرية ، فقد أخطأ ، لأنه لا يجوز على أحد من المسلمين ، فكيف يجوز على أعرف الناس باللّه وأنه متعال عن خلف الميعاد ؟ ويبطل هذا الزعم ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن هذه الآية ، قالت بل كذبهم قومهم ، فقلت واللّه لقد استيقنوا بذلك ، فقلت لعلهما قد كذبوا أي بالتخفيف ، فقالت معاذ اللّه لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، قلت فما هذه الآية ؟ قالت هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن اتباعهم كذبوهم ، جاءهم نصر اللّه عند ذلك . وقيل أن هذا تكذيب لم يحصل من أتباعهم المؤمنين لأنه لو حصل لكان نوع كفر ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر . وفي رواية عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي مليكة قال قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ذهب لها هنالك وتلا ( وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) الآية 214 من سورة البقرة في ج 3 ، قال تلقيت عروة ابن الزبير وذكرت له ذلك ، فقال قالت عائشة معاذ اللّه واللّه ما وعد اللّه رسوله في شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من قومهم من يكذبوهم ، فكانت تقرأها ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، بالتشديد مثفلة ، أما ما نقله البعض عن ابن عباس من أنه قال وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم اللّه به من النصر ، قال وكانوا بشرا وتلا قوله تعالى ( وَزُلْزِلُوا ) الآية المارة من البقرة ، لا يصح إلا إذا أراد بالظن ما يخطر بالبال وكما ذكرنا آنفا ، لأن الأنبياء منزهون عن الظن بربهم